أحمد بن علي القلقشندي
123
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
في خدمة أسلافنا ونشأ بنوه في خدمنا ، والتّقيّ الَّذي يأبى دينه إلا حفظ جانب اللَّه في الجهاد بين يدي عزيمتنا وأمام هممنا - اقتضت آراؤنا الشريفة أن نصرّح له من الإحسان بما هو في مكنون سرائرنا ، ومضمون ضمائرنا ، ونعلن بأنّ رتبته عندنا بمكان لا تتطاول إليه يد الحوادث ، ونبيّن أن أعظم أسباب التقدّم ما كان عليه من عنايتنا وامتناننا أكرم بواعث . فلذلك رسم أن يعاد ( 1 ) إلى الإمرة على أمراء آل فضل ، ومشايخهم ومقدّميهم ، وسائر عربانهم ، ومن هو مضاف لهم ومنسوب إليهم ، على عادته وقاعدته . فليجر في ذلك على عادته الَّتي لا مزيد على كمالها ، ولا محيد عن مبدئها في مصالح الإسلام ومآلها ، آخذا للجهاد أهبته من جمع الكلمة واتّحادها ، واتّخاذ القوّة وإعدادها ، وتضافر الهمم الَّتي ما زال الظَّفر من موادّها والنّصر من أمدادها ، وإلزام أمراء العربان بتكميل أصحابهم ، وحفظ مراكزهم الَّتي لا تسدّ أبوابها إلَّا بهم ، والتّيقّظ لمكايد عدوّهم ، والتّنبّه لكشف أحوالهم في رواحهم وغدوّهم ، وحفظ الأطراف الَّتي هم سورها من أن تسوّرها مكايد العدا ، وتخطَّف من يتطرّق إلى الثغور من قبل أن يرفع إلى أفقها طرفا أو يمدّ على البعد إلى جهتها المصونة يدا ، وليبثّ في الأعداء من مكايد مهابته ما يمنعهم القرار ، ويحسّن لهم الفرار ، ويحول بينهم وبين الكرى لاشتراك اسم النّوم وحدّ سيفه في مسمّى الغرار . وأما ما يتعلق بهذه الرتبة من وصايا قد ألفت من خلاله ، وعرفت من
--> ( 1 ) أعيد إلى إمارته سنة 717 ه ؛ ولكن السلطان ما لبث أن سخط عليه لصلته بالتتر - كما مرّ معنا - فطرد آل فضل من البلاد سنة 720 ه ، فابتعد بهم مهنا عن الحواضر . ثم توسّل بالملك الأفضل صاحب حماة فصفح الناصر عنه وردّ إليه إقطاعه ، فعاد وأخلص الولاء لأصحاب مصر . ( أنظر الأعلام : 7 / 317 ) .